حسن الأمين

316

مستدركات أعيان الشيعة

عتاب بأطراف القوافي كأنه طعان بأطراف القنا المتكسر فاجلو به وجه الإخاء واجتلي حياء كصبغ الأرجوان المعصفر وقد أشاد ابن المعتز باعتذارياته في الفتح كما قرر أبو هلال العسكري للنابغة الذبياني فضل زيادة هذا القسم إلى أقسام الشعر الجاهلي ثم قال : ولا أعرف أحدا من المحدثين بلغ مبلغه فيه إلا البحتري فإنه قد أجاد القول في صنوفه وأحسن وأبلغ ولم يذر مزيدا حتى قال بعضهم هو في هذا النوع النابغة الثاني . أما ابن رشيق فيرى أن البحتري أحسن الناس طريقا في العتاب ويقول : وأحسن الناس طريقا في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة البحتري . وقد سلك البحتري طرقا كثيرة للعتاب فأحيانا يمزجه بالمدح وهو الغالب عليه . وحينا يلتمس لمن يعاتبه العذر على جفائه ولا ينسى أن يذكر من يعاتبه بسالف الود وما كان بينهما من صفاء ويحدثه بما يضمره له في قلبه من حب وإجلال . وحينا يهدد بالهجاء المقذع المر حين تشتد ثورة نفسه وعزتها . ولا ينسى في عتابه الاعتزاز بنفسه ومعرفته بقدرها بل يدل بقيمته الأدبية ومكانته السالفة وما يجب أن يكون له من إجلال وتقدير . ومن جميل أبياته في هذا الموضوع ما قاله في قصيدة مدح بها المتوكل مطلعها : شوق إليك تفيض منه الأدمع وجوى عليك تضيق منه الأضلع ينهيها بقوله : هل يجلبن إلي عطفك موقف ثبتت لديك أقول فيه وتسمع ما زال لي من حسن رأيك موئل آوي اليه من الخطوب ومفزع فعلا م أنكرت الصديق وأقبلت نحوي ركاب الكاشحين تطلع وأقام يطمع في تهضم جانبي من لم يكن من قبل فيه يطمع ألا يكن ذنب فعدلك واسع أو كان لي ذنب فعفوك أوسع وتتميز اعتذارياته وعتابياته بميل قوي إلى التحليل والاستقصاء وبتعبير رقيق عن الانفعالات والخلجات النفسية كما في قصيدته التي يعاتب بها الفتح ويعتذر منه والتي مطلعها : يهون عليها ان أبيت متيما أعالج وجدا في الضمير مكتما حيث يصور لنا تردد الفتح بين الرضا والغضب وانعكاس ذلك عليه . ثم تتملكه عزة نفسه ويشعر بقيمته كشاعر فنان وبقيمة شعره الذي قاله في الفتح فترتفع حدة عتابه ويقترب من إيقاع التهديد ليعود بعدها إلى اللين والاستعطاف فيقول : لي الذنب معروفا وان كنت جاهلا به ولك العتبى علي وأنعما ومن أرق عتابياته تلك الموجهة إلى الفتح أيضا والتي استند إليها وإلى سابقتها ابن رشيق في تقديم البحتري على الشعراء المحدثين في العتاب القصيدة التي مطلعها : لوت بالسلام بنانا خضيبا ولحظا يشوق الفؤاد الطروبا أما عتاب البحتري لأصدقائه المقربين من غير الحكام فينهج فيه الشاعر نهجا آخر . فهو يعمد أحيانا إلى الشدة والتعنيف والأنذار بالقطيعة وذلك تعبيرا عن إحساسه بالغضب والصدمة لتغير ذلك الصديق كما في قصيدته التي مطلعها : تعود عوائد الدمع المراق على ما في الضلوع من احتراق وخلاصة القول إن البحتري قد تفوق في العتاب والاعتذار تفوقا ينبع من تمييزه بين شخوص من يوجهه إليهم . وينبع أيضا من أن التالق في ذلك الفن يتطلب الرقة والعذوبة في المشاعر وطرق الأداء جميعا وقد توافر ذلك في أجلى صورة لدى البحتري . الغزل لقد تغزل البحتري وأنشد للحب شعرا كادت كلماته أن تجنح من فرط الرقة والعذوبة واتصل غزله فيما يشبه الظاهرة المطردة بوصف الخيال والحبيب في مرحلة من حياته هي العراقية والسؤال هو هل انشد البحتري للعواطف عن تجربة صادقة ومعاناة حقيقية ؟ أم ترى غزله كان قياما بتقاليد القصيدة العباسية التي حل وصف الحبيب والتغني بعاصف الأشواق في مقدمتها محل الوقوف على الديار وبكاء الأطلال في مقدمة القصيدة القديمة . لقد اختلفت الآراء في ذلك على الرغم من أن ارتباط الشاعر العاطفي بعلوة الحلبية ثابت ومتفق عليه والكثير من مقطوعاته في الحب ينشده الشاعر في وصفها أو في وصفه طيفها الذي يرفرف عبر صحراء الشام ليزوره في العراق . فيرى البعض انه على الرغم من أن أكثر ما أنشأه البحتري من الغزل كان مقدمة لأغراض أخرى إلا أنه استطاع ان يحدثنا عن كثير من عواطف الحب في حالتي الرضا والسخط والقرب والبعد . ورأى البعض الآخر انه إذا قلنا غزل البحتري فقولنا هذا يصدق على كل شاعر من مداحي العصر العباسي وهو على الغالب نوع من الفن الكلامي يصدرون به قصائدهم تمهيدا لما يقصدون ، ومع ما قد تجده فيه من رشاقة لا ينظم عادة بثا لوجد متقد أو تصويرا لخوالج شخصية صادقة . كان الأقدمون يجعلون لقصائدهم مقدمات من الوقوف على ديار الحبيب والبكاء على آثارها ثم الرحيل عنها إلى حيث يقصدون فحول المولدين ذلك إلى مقدمات غزلية يصفون بها الحبيب ويذكرون أشواقهم ثم يتخلصون إلى المدح أو سواه . وقد لا يكون بين المقدمة الغزلية وسائر القصيدة من رابطة فكرية أو حسن تخلص وعلى هذا كثير من شعر البحتري وفيه يقول ابن الأثير : انه لم يوفق في التخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلا اليسير . ومن ظاهرة عدم حسن التخلص هذه عند البحتري ينطلق البعض ليؤكد صدق البحتري في غزله ويرى أن التفسير المقبول لتلك الظاهرة هو أن البحتري كان يرضي عواطفه ويعبر عما يعانيه من مشاعر وانفعالات صادقة في مقطوعات مستقلة ثم يتخذ بعضا منها مقدمات لقصائده نزولا على تقاليد الشعر آنذاك فكانت القصيدة في الواقع كأنها مركبة من قصيدتين واحدة يفرغ فيها عواطفه في الغزل وأخرى لغرض المدح أو غيره من الأغراض فكان البحتري كان يضم احدى القصيدتين إلى الأخرى من غير أن يعنى بالربط